أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني

203

تيسير المطالب في أمالى أبى طالب

قال : ( يا كميل بن زياد ! إنّ هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها فاحفظ منّي ما أقول لك . النّاس ثلاثة : فعالم ربّاني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق . يا كميل بن زياد ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك والمال تحرسه ، والمال تنقصه النّفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه . مات خزّان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدّهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، هاه هاه إنّ هاهنا علما جمّا - وأومأ بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة ، بل أصبت له لقنا غير مأمون مستعملا آلة الدّين للدّنيا يستظهر بحجج اللّه على خلقه وبنعمه على عباده ، أو منقادا للشّكّ ينقدح الشّكّ في قلبه بأوّل عارض من شبهة ، لا ذا ولا ذاك أقمن ، أو منهوما باللّذّات ، سلس القياد للشّهوات ، أو مغرما بالجمع والادّخار ليسا من رعاة الدّين ، أقرب شبها بهما الأنعام السّائمة ، كذلك العلم يموت بموت صاحبه ، اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة كيلا تبطل حجج اللّه وبيّناته أولئك الأقلّون عددا الأعظمون عند اللّه قدرا ، بهم يدفع اللّه عن حججه حتّى يردّوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في أرضه والدّعاة إلى دينه ، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر اللّه لي ولك . إذا شئت فقم ) .